الشيخ محمد هادي معرفة

86

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

القاضي ، فقال : لأنّ الرؤية إنّما تكون بمعنى العلم متى تجرّدت ، فأمّا إذا قارنها النظر فلا تكون بمعنى العلم . وأمّا الشريف المرتضى ، فقال : لأنّ ذكر الجهرة في الرؤية لا تليق إلّا برؤية البصر دون العلم . قال : وهذا يقوي أنّ الطلب لم يكن للعلم الضروري . وربّما يقال : إنّ موسى عليه السلام سأل الرؤية لنفسه ، ولا يمتنع أن لا يعرف النبيّ استحالته ، أو يطلب زيادة معرفة بزيادة الأدلّة وترادفها . وأجاب القاضي بأنّ الأنبياء لا يجوز عليهم أن يجهلوا ما يرجع إلى معرفة اللّه تعالى وشؤونه ، لما في ذلك من النفرة عنهم ، حيث يؤدّي إلى جواز أن يسألوا عن ذلك فيجهلوه ويعرفه غيرهم . « 1 » 3 - وأمّا الاستدلال بإمكان استقرار الجبل دليلًا على إمكان الرؤية ، فيردّه : أنّ التعليق في الآية كان على نفس الاستقرار وفعليّته ، لا على إمكانه « فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي » ، فإذا علم أنّه لايستقرّ ، علم أنّه تعالى لا يرى . ثمّ من أين علم المستدلّ إمكان الاستقرار للجبل عند تجلّي عظمة اللّه له ، فلعلّ الكون بأسره لا يطيق استقرارا تجاه تلك العظمة والجبروت ، إذ التناسب بين جبروت كبريائه تعالى ودائرة نطاق هذا الكون ، لأكبر ممّا بين الجمل وسمّ الخياط - « 2 » فكما أنّ ذلك غير ممكن فكذا هذا بالأولى إذا ما لاحظنا الفارق بين النسبتين . وأمّا التجلّي في قوله تعالى : « فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ » فهو إظهار عظيم قدرته وتجلّي جبروته تبارك وتعالى ، بما أوجب دكّا في الجبل ، إذ لم يستطع المقاومة . والتجلّي : شدّة ظهور الشيء ووضوحه ولو بالدلائل والآثار ، قال الشاعر : تجلّى لنا بالمَشْرَفِيَّة والقَنا * وقد كان عن وقْع الأسنّة نائيا أراد أنّ تدبيره في تخطيط القتال دلّ عليه حتّى علم أنّه المدبّر له ، وإن كان نائيا عن وقع الأسنّة ولم يحضر الحرب بنفسه . فأقام ما ظهر من دلالة فعله مقام مشاهدته ، وعبّر عنه بأنّه تجلّى منه .

--> ( 1 ) - متشابه القرآن للقاضي ، ج 1 ، ص 295 . ( 2 ) - الأعراف 40 : 7 .